
في الاقتصاد، الأرقام الكبيرة تلفت الانتباه.. مليارات من الاستثمارات، مصانع جديدة، أراضٍ صناعية، اتفاقيات وتوسعات.
لكن في الصناعة تحديدًا، فيه رقم أهم من كل ده: إحنا بننتج كام؟ وبنصدر كام؟
لأن التحدي الحقيقي أمام الصناعة المصرية النهارده مش مجرد إنشاء مصانع جديدة، لكنه بناء صناعة قادرة على المنافسة، وزيادة المكون المحلي، وتقليل اعتماد الإنتاج نفسه على الاستيراد.
وده فرق مهم جدًا.
ممكن نصنع منتجًا داخل مصر، لكن لو معظم مكوناته وخاماته جاية من الخارج، هنفضل مع كل زيادة في الإنتاج محتاجين دولار أكتر للاستيراد.
أما التصنيع الحقيقي، فهو إن كل مرحلة جديدة من النمو الصناعي تزود القيمة اللي بتتخلق جوه الاقتصاد المصري.
وعلشان كده، التحركات الأخيرة في ملف الصناعة تستحق الاهتمام.
الدولة بتتكلم بوضوح عن تعميق التصنيع المحلي، وتوطين صناعات جديدة، وتسهيل حصول المستثمر على الأراضي، وفتح المجال أمام آليات أكثر مرونة زي الإيجار المنتهي بالتملك، بالتوازي مع تحركات في قطاعات استراتيجية زي السيارات والصناعات المغذية.
وكلها خطوات مهمة.
لكن الصناعة لا تُبنى بالقرارات وحدها.
المصنع محتاج أرض وطاقة وتمويل وعمالة مدربة وخامات ولوجستيات، ومحتاج قبل كل ده سياسة مستقرة يقدر المستثمر يبني عليها قراره لسنوات قدام.
لأن المستثمر الصناعي مش داخل السوق علشان يبيع ويخرج بعد سنة.
هو بيشتري أرض، ويبني مصنعًا، ويستورد معدات، ويدرب عمالة، ويكوّن شبكة موردين، وبعد كل ده يبدأ يفكر في التوسع والتصدير.
يعني إحنا بنتكلم عن استثمار عمره سنوات طويلة.
ومن هنا، أعتقد إننا محتاجين نغير الطريقة اللي بنقيس بيها نجاح الصناعة.
بدل ما يكون السؤال: كام مصنع جديد اتفتح؟
نسأل: كام مصنع دخل الإنتاج فعلًا؟
وبدل ما نتكلم فقط عن قيمة الاستثمارات، نسأل: كام وظيفة مستدامة اتخلقت؟
وبدل ما نقول إن المنتج بيتصنع في مصر، نسأل: كام في المية منه مصري؟
والأهم من كل ده: كام دولار دخل مصر من تصديره؟
صناعة السيارات مثال واضح.
النجاح مش إن عدد أكبر من العلامات العالمية يجمع سياراته في مصر فقط. النجاح الحقيقي يبدأ لما مصنع مصري ينتج الضفيرة الكهربائية، ومصنع آخر ينتج الزجاج، وثالث الإطارات، ورابع المكونات الإلكترونية، وبعدها تتحول مصر إلى قاعدة إنتاج تخدم السوق المحلية وتصدر للأسواق المحيطة.
وقتها فقط هنقدر نقول إننا بنبني صناعة سيارات، مش مجرد سوق سيارات.
ونفس الفكرة تنطبق على الدواء، والصناعات الهندسية، والغذائية، والكيماوية، والمنسوجات، والأجهزة الكهربائية وغيرها من القطاعات اللي مصر تمتلك فيها قاعدة إنتاج وخبرات وفرص تصديرية حقيقية.
لكن فيه نقطة لازم نتوقف عندها.
تقليل الاستيراد وحده مش استراتيجية صناعية.
لأن الاقتصاد القوي مش الاقتصاد اللي يمنع الاستيراد، لكنه الاقتصاد اللي يستخدم جزءًا من وارداته لإنتاج قيمة أكبر.
نستورد ماكينة علشان تنتج لعشر سنين، نستورد تكنولوجيا علشان نوطنها، ونستورد مكونًا اليوم بينما نعمل على تصنيعه محليًا غدًا.
هنا بيتحول الدولار اللي خرج للاستيراد إلى استثمار قادر بعد فترة على توليد دولارات جديدة من التصدير.
وده في رأيي هو جوهر المعركة الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
مصر محتاجة مصادر مستدامة للعملة الأجنبية، والصناعة واحدة من أهم هذه المصادر؛ لأنها لا توفر الدولار فقط، لكنها تخلق فرص عمل وتنقل التكنولوجيا وتوسع القاعدة الضريبية وتدعم عشرات الأنشطة المرتبطة بكل مصنع.
والفرصة موجودة بالفعل.
مصر عندها سوق يتجاوز 100 مليون مستهلك، وموقع جغرافي استثنائي، وقناة السويس، وموانئ، واتفاقيات تجارية تفتح أمام المنتج المصري أسواقًا في أفريقيا والدول العربية وأوروبا.
لكن لازم نعترف إننا مش لوحدنا في السباق.
دول كثيرة أصبحت تنافس بقوة على المصنع نفسه والمستثمر نفسه والدولار نفسه.
والشركة العالمية اللي بتفكر النهارده في إنشاء مصنع جديد بتقارن بين مصر ودول أخرى في تكلفة الطاقة، وسعر الأرض، والضرائب، وسرعة الإجراءات، وكفاءة الموانئ، وتوافر العمالة، والأهم استقرار السياسات.
علشان كده، المطلوب خلال المرحلة المقبلة مش حوافز أكثر فقط، وإنما رحلة استثمار صناعي أسهل وأسرع وأكثر قابلية للتوقع.
من أول ما المستثمر يفكر في المشروع، لحد ما أول منتج يخرج من المصنع، وبعدها يوصل للميناء ويتصدر.
لو قدرنا نعمل ده، ساعتها مش هنقيس نجاح الصناعة بعدد المصانع اللي افتتحناها.
هنقيسه بعدد المنتجات اللي كتبنا عليها «صُنع في مصر» ووجدنا لها مكانًا حقيقيًا على رفوف الأسواق العالمية.
لأن مستقبل الاقتصاد المصري لن يُبنى فقط على قدرتنا على جذب الدولار.
الأهم أن نبني اقتصادًا قادرًا على إنتاج الدولار.
وده لن يحدث إلا عندما تصبح الصناعة مشروعًا اقتصاديًا طويل الأجل، وليس مجرد ملف نتحرك فيه وقت أزمة الاستيراد أو نقص العملة الأجنبية.
