
تتميز القواعد التجارية في الإثبات بالمرونة والسرعة مقارنة بالقواعد المدنية، نظرًا لطبيعة المعاملات التجارية القائمة على الائتمان والثقة وسرعة التعامل. والأصل في المواد التجارية هو حرية الإثبات، إذ يجوز إثبات الالتزامات التجارية بكافة طرق الإثبات، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.
وتشمل وسائل الإثبات في المعاملات التجارية: المحررات والكتابة، وشهادة الشهود، والقرائن، والإقرار، واليمين، والفواتير، والمراسلات، ودفاتر التجار، إلى جانب البريد الإلكتروني والعقود والفواتير والمستندات الإلكترونية متى توافرت شروط حجيتها القانونية.
الدفاتر التجارية وحجيتها
تمثل الدفاتر التجارية وسيلة مهمة للإثبات، خاصة في المنازعات بين التجار. فإذا كان النزاع بين تاجرين ومتعلقًا بأعمالهما التجارية، جاز الاستناد إلى الدفاتر التجارية المنتظمة، وتقدر المحكمة حجيتها وفقًا لظروف الدعوى.
أما إذا كان النزاع بين تاجر وغير تاجر، فلا تعد دفاتر التاجر وحدها حجة كاملة على خصمه، ويجوز لغير التاجر إثبات عكس ما ورد بها بكافة طرق الإثبات.
ورغم أن الأصل القانوني يقضي بأن الشخص لا يجوز له أن يصطنع دليلًا لنفسه، فإن المشرع منح الدفاتر التجارية وضعًا خاصًا تفرضه طبيعة النشاط التجاري، كما يجوز للمحكمة الاطلاع عليها وفقًا للقواعد المنظمة لذلك.
الفواتير والمراسلات والقرائن
تعد الفواتير وأوامر التوريد وإيصالات التسليم وكشوف الحساب والمراسلات التجارية من الأدلة المهمة، إلا أن صدور الفاتورة من أحد الخصوم لا يكفي وحده لإثبات المديونية بصورة قاطعة، وإنما تتحدد حجيتها وفق قبول الطرف الآخر لها وما يؤيدها من مستندات وقرائن.
وتكتسب القرائن أهمية كبيرة في المعاملات التجارية، إذ يمكن للمحكمة الاستدلال على وجود العلاقة أو المديونية من خلال تسليم البضاعة أو استلامها دون تحفظ، وسداد جزء من الثمن، وطلبات الشراء والمراسلات المتبادلة وغيرها.
الإثبات الإلكتروني
أصبحت وسائل الإثبات الإلكتروني عنصرًا رئيسيًا في المعاملات التجارية، وتشمل البريد الإلكتروني والرسائل والعقود والتوقيعات والفواتير الإلكترونية وسجلات الأنظمة الرقمية، وتخضع حجيتها للقواعد القانونية المنظمة لها، خاصة ما يتعلق بإثبات مصدرها وسلامة محتواها.
العرف التجاري
يلعب العرف والعادات التجارية دورًا مهمًا في تفسير العقود والتصرفات، خاصة عند غياب تنظيم تفصيلي لمسألة معينة، وقد تستعين بهما المحكمة لتحديد كيفية تنفيذ الالتزامات ومواعيد التسليم والعمولات وتفسير بعض المصطلحات التجارية.
وفي النهاية، يقوم الإثبات التجاري على مبدأ الحرية والمرونة مقارنة بالإثبات المدني، إلا أن هذه الحرية ليست مطلقة؛ فإذا اشترط القانون الكتابة أو الرسمية أو إجراءً محددًا في تصرف معين، وجب الالتزام به.
وتظل طبيعة العلاقة محل النزاع هي نقطة البداية لتحديد قواعد الإثبات الواجبة التطبيق؛ من حيث كون أطرافها تجارًا أو غير تجار، وطبيعة التصرف، ومدى وجود عقود أو فواتير أو دفاتر أو مراسلات وأدلة إلكترونية تدعم الحق محل المطالبة.




