مقالات

لكل فعل… رد فعل

**بقلم: محمد دسوقي** **مدير الموارد البشرية بشركة Golden Technology، ومتخصص في إدارة رأس المال البشري**

هل فكرت يومًا لماذا تنطفئ شعلة الحماس لدى موظف كان، حتى وقت قريب، يعمل بكل طاقته من أجل نجاح شركتك؟

ولماذا يتحول الموظف الذي اعتاد أن يقترح ويطور ويهتم بأدق التفاصيل إلى شخص لا يبالي؟ وكيف يصبح الخطأ الذي كان يزعجه بالأمس أمرًا لا يعنيه اليوم؟

والأهم: هل سألت نفسك يومًا ماذا حدث له؟

من السهل أن نقول: «الموظف تغير، ولم يعد لديه ولاء، وأصبح غير مبالٍ». لكن هل من العدل أن نُحمّله وحده مسؤولية النتيجة، من دون أن نبحث عن الأسباب التي أوصلته إلى هذه المرحلة؟

لنأخذ مثالًا بسيطًا يتكرر داخل كثير من المؤسسات.

قد يُصر صاحب العمل على تطبيق نظام البصمة، ويعتبر الالتزام بموعد الحضور معيارًا أساسيًا للانضباط وتقييم الموظف. لكن علينا أن نتوقف قليلًا أمام مفارقة واضحة: الحديث هنا يدور غالبًا عن موعد الحضور فقط، وليس موعد الانصراف.

فقد يلتزم الموظف بالحضور في الموعد المحدد، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى العمل حتى السابعة أو العاشرة مساءً، وربما حتى الثانية فجرًا، وفقًا لاحتياجات العمل.

وهنا تُطرح مجموعة من الأسئلة المهمة:

هل يحصل الموظف على مقابل عادل عن ساعات العمل الإضافية؟

في كثير من الحالات، لا.

هل يحصل على راحة بديلة أو تعويض مناسب؟

أحيانًا لا.

هل تراعي الإدارة حياته الشخصية ومسؤولياته الأسرية وطاقته الإنسانية؟

ليس دائمًا.

ثم تتساءل الإدارة بعد ذلك: لماذا انخفض حماسه؟ ولماذا توقف عن المبادرة؟ ولماذا أصبح يؤدي الحد الأدنى من المهام؟ ولماذا لم يعد يهتم عندما يرى خطأً كان يسارع في السابق إلى تصحيحه؟

ربما لأن هذا الموظف تعلّم، من خلال التجربة، مجموعة من الرسائل القاسية:

عندما أعطي أكثر، لا أحصل على مقابل.

وعندما أبادر، لا يتغير شيء.

وعندما أتحمل، يصبح تحملي أمرًا مفروغًا منه.

وعندما أتحدث، لا أجد من يستمع إليّ.

عند هذه النقطة تبدأ أخطر مراحل العلاقة بين الموظف والمؤسسة؛ فقد لا يقدم استقالته رسميًا، لكنه يستقيل نفسيًا.

يظل حاضرًا في مكتبه، ويشارك في الاجتماعات، وينفذ التعليمات، ويتقاضى راتبه، لكن الحماس الذي كان يظهر في عينيه يكون قد اختفى. وهنا تظهر ظاهرة «الانسحاب النفسي من العمل»، عندما يواصل الموظف أداء دوره شكليًا، بينما يتراجع ارتباطه الحقيقي بالمؤسسة، وتنخفض رغبته في المبادرة والإبداع وتحمل مسؤوليات إضافية.

المشكلة أن بعض الإدارات لا تنظر إلى رحلة الموظف كاملة، بل ترى فقط المشهد الأخير وتقول: «الموظف أصبح غير مبالٍ»، من دون أن تتوقف أمام القرارات والممارسات التي صنعت هذه اللامبالاة تدريجيًا.

الإدارة تضغط، والموظف يتحمل.

الإدارة تتجاهل، والموظف يصمت.

الإدارة تطلب المزيد، والموظف يستجيب.

لكن لكل إنسان حدودًا، وفي لحظة ما يتوقف الموظف عن العطاء، فتسارع الإدارة إلى القول: «موظفو هذه الأيام لا يملكون ولاءً».

والحقيقة أن الولاء، في كثير من الأحيان، لا يموت من تلقاء نفسه، بل يُستنزف تدريجيًا بسبب غياب التقدير، وعدم العدالة، وتجاهل الاحتياجات الإنسانية والمهنية للموظفين.

ولا يعني ذلك تبرير التقصير أو إعفاء الموظف من مسؤولياته، فالمؤسسة من حقها أن تطلب الانضباط والكفاءة والالتزام. لكن العدالة تقتضي أن يكون الالتزام متبادلًا؛ فإذا كانت الإدارة تحاسب الموظف بدقة على موعد حضوره، فعليها أيضًا أن تحترم موعد انصرافه، وأن تقدر جهده الإضافي، وتستمع إلى ملاحظاته، وتوفر له بيئة عمل تحافظ على طاقته بدلًا من استنزافها.

إدارة رأس المال البشري لا تقوم على مراقبة الحضور والانصراف فقط، وإنما تبدأ بفهم الإنسان الذي يقف خلف المسمى الوظيفي. فالموظف ليس مجرد رقم في كشف الرواتب، بل شريك في النجاح، وكلما شعر بالعدالة والتقدير والانتماء، انعكس ذلك على جودة أدائه وإنتاجيته وولائه للمؤسسة.

لذلك، قبل أن تحاسب موظفًا على رد فعله، اسأل نفسك أولًا: ما الذي فعلناه حتى وصل إلى هذه المرحلة؟

ففي بيئة العمل، كما في الحياة، لكل فعل رد فعل.

والسؤال الحقيقي ليس: «لماذا تغير الموظف؟»

بل: «ماذا حدث داخل المؤسسة حتى اضطر الموظف إلى أن يتغير؟»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى