
حين يجلس ممثلون عن المواطنين والحكومة والخبراء على طاولة واحدة، تصبح هناك فرصة تستحق الاهتمام: أن تُناقش السياسات من زاوية أثرها في حياة الناس، وأن يسمع المسؤول ما وراء الأرقام من تعب وقلق وطموح. هذه هي القيمة التي ينبغي البناء عليها في «منتدى مصر ٢٠٢٦»، وهي أيضًا المسؤولية التي تبدأ بعد انتهاء جلساته.
فالمواطن الذي تابع المناقشات ينتظر إجابة عن سؤال بسيط: ماذا سيتغير في حياته؟ هل تصبح المدرسة أفضل؟ وهل يجد العلاج حين يحتاج إليه؟ وهل يستطيع أن يمنح أبناءه فرصة للتعلم وممارسة الرياضة والاقتراب من الثقافة، من دون أن يستنزف ذلك قدرته على الاستمرار؟
تضمنت مخرجات المنتدى مستهدفات لتحسين الدخول، وتطوير المدارس، والتوسع في التأمين الصحي الشامل، ودعم الصناعة والاستثمار. وهي توجهات تستحق الدعم، لكن تقييمها يحتاج إلى مواعيد معلنة، وتمويل واضح، وجهات مسؤولة، ومتابعة تتيح للمجتمع معرفة ما تحقق وما تعثر وأسباب التعثر.
في التعليم، شملت التوصيات تحسين دخول المعلمين، وتطوير المدارس الحكومية بحلول ٢٠٣٠، وإنهاء الفترات المسائية تدريجيًا، وتطوير ٦٠٠ مدرسة فنية بالشراكة مع القطاع الخاص. وكلها خطوات مهمة؛ فالمعلم المستقر ماديًا، والمدرسة المؤهلة، والتعليم المتصل بفرص العمل، عناصر أساسية لأي إصلاح جاد.
لكن الأسرة المصرية تحتاج، إلى جانب هذه الخطط، إلى استقرار تستطيع أن تبني عليه قراراتها. لماذا تتحمل كل هذا الضغط حتى يصل أبناؤها إلى أول درجات الطموح المشروع؟ ولماذا لا يكون قياس أثر القرارات على ميزانية الأسرة ووقت الطفل واستقراره النفسي إجراءً أساسيًا يسبق التطبيق؟
من حق الدولة أن تطور التعليم، ومن حق الأسرة أن تفهم أسباب التغيير وتوقيته وأدواته. ويحتاج أي تعديل مؤثر في المناهج أو التقييم إلى حوار مسبق وفترة انتقالية مناسبة ودعم داخل المدرسة، حتى لا يتحول الإصلاح إلى احتياج جديد لدروس إضافية أو مصروفات لم تكن في الحسبان.
وتستحق اللغة العربية وقفة أعمق. نحن نعتز بها لغةً للقرآن الكريم ووعاءً للثقافة والذاكرة، وتعليمها مسؤولية لا يجوز التهاون فيها. لكن الوفاء لها يتطلب أن نراجع كيف نقدمها لأبنائنا: هل نفتح لهم أبوابها بالقراءة والفهم والتعبير، أم نحصر علاقتهم بها في القلق من الامتحان؟
الطفل الذي يعاني ضعفًا في العربية لم يضع السياسات التعليمية، ولم يصمم المناهج، ولم يختر وحده البيئة اللغوية التي نشأ فيها. ومن العدل أن نساعده على تجاوز الفجوة، بمناهج تناسب مستواه ومعلمين مؤهلين وبرامج دعم، وأن تتدرج متطلبات التقييم مع توفير فرصة حقيقية للتعلم.
وحين تؤثر متطلبات العربية في مستقبل الطالب الدراسي، تصبح شفافية القواعد ومناسبتها لمستواه مسؤولية مضاعفة. فتعزيز مكانة اللغة هدف مشروع، ونجاحه يرتبط بقدرتنا على بناء علاقة محبة وثقة بين الطفل ولغته. نريد أبناءنا قادرين على القراءة والتعبير، وراغبين فيهما أيضًا.
وهنا يحضر مشروع «مكتبة الأسرة»، الذي عرفنا من خلاله معنى أن يكون الكتاب قريبًا من البيت وفي متناول ميزانية محدودة. وأستعيده اليوم باعتباره فكرة تستحق استعادة أثرها وتطوير أدواتها: كتب مدعمة، ومحتوى مناسب للأعمار المختلفة، ومنافذ تصل إلى المحافظات، وصيغ رقمية ميسرة.
وقد طُرحت بالفعل مقترحات لإعادة إطلاق المشروع. لكن المطلوب أن نعرف كيف تتحول الفكرة إلى إتاحة منتظمة يستطيع الناس الاستفادة منها. ولا يصح أن يصبح ارتباط أي مشروع ثقافي بمرحلة سياسية سابقة سببًا لإهمال قيمته؛ فالمشروعات التي تنفع المصريين ملك لهم، ويُحكم عليها بجدواها وقدرتها على خدمة أجيال جديدة.
وفي الرياضة، تحمل الأسرة أعباء قريبة من أعباء التعليم: اشتراكات وتدريب وانتقالات وأدوات، ثم خوف من أن تتوقف موهبة الابن عند حدود القدرة المالية. ومن هنا تأتي أهمية التوجه نحو رعاية الرياضيين من اكتشاف الموهبة إلى ما بعد الاعتزال، وتوسيع إتاحة الممارسة عبر مراكز الشباب والساحات الرياضية.
ويقدم التعاون المعلن بين وزارة الشباب والرياضة و«حديد عز»، بقيمة ١٥٠ مليون جنيه خلال ثلاث سنوات، لتطوير المنشآت وإطلاق «بطل من حديد»، فرصة عملية تستحق المتابعة. وتقييمه ينبغي أن يشمل عدد المنشآت التي أصبحت متاحة بالفعل، وشفافية اختيار المواهب، ومدى وصول الدعم إلى الأطفال الذين تعجز أسرهم عن تحمل التكلفة.
وتظل هناك أسئلة ضرورية: كيف يصل الطفل إلى فرصة الاختبار؟ ومن يتحمل انتقالاته وتجهيزاته؟ وكيف يتوازن التدريب مع دراسته؟ وما القواعد التي تضمن عدالة الاختيار؟ الإجابة عن هذه التفاصيل هي التي تجعل رعاية الموهبة خدمة يمكن الوصول إليها.
وفي ملف الدخل، فإن استهداف رفع الحد الأدنى للأجور إلى ١٥ ألف جنيه بحلول العام المالي ٢٠٢٩/٢٠٣٠ يحتاج إلى متابعة ما تستطيع هذه الزيادة شراءه من احتياجات أساسية. فتحسن الدخول يُقاس بقدرتها على تغطية الغذاء والسكن والتعليم والعلاج، مع مراعاة أوضاع العاملين خارج مظلة الأجور المنتظمة.
كما أن التوسع في التأمين الصحي الشامل يستحق أن يُقاس بسهولة حصول المريض على الخدمة والدواء، ووقت الانتظار، وما يدفعه من جيبه. ودعم الصناعة ينبغي أن يظهر في وظائف مستقرة وتدريب جاد وفرص تصل إلى المحافظات، حتى يشعر المواطن بأن النمو يفتح له بابًا.
لهذا، أقترح أن تُنشر متابعة دورية لمخرجات المنتدى، تتضمن المسؤول عن كل مستهدف، وموازنته، وموعده، ونسبة إنجازه، والعقبات التي تواجهه. وأن يظل باب الحوار مفتوحًا أمام الأسر والمعلمين والطلاب والرياضيين، ليشاركوا في تقييم الخدمة بعد تطبيق القرار.
لقد جمع المنتدى أصواتًا مختلفة على طاولة واحدة. والحفاظ على قيمة هذه الخطوة يتطلب أن يجد ما قيل طريقه إلى المدرسة والمستشفى ومركز الشباب والبيت. فالأسرة المصرية تحتاج إلى سياسات تسند قدرتها على التماسك، وتمنح أبناءها فرصة عادلة ليطمحوا، ووسائل حقيقية ليصلوا.




