أخبارتكنولوجيا مالية

من «الطروحات» إلى «إدارة الأصول».. قراءة في خطة الدولة للتخارج من 90 شركة

برنامج تنفيذي جديد يوسع دور القطاع الخاص ويضع إعادة الهيكلة والحوكمة وقاعدة البيانات في قلب عملية التخارج

كتبت / شيماء موسى
تدخل سياسة ملكية الدولة في مصر مرحلة أكثر ارتباطًا بالتنفيذ، مع الكشف عن البرنامج التنفيذي لوثيقة سياسة ملكية الدولة للفترة من 2026 إلى 2030، والذي يتضمن خطة زمنية للتخارج من 90 شركة حتى نهاية 2030، في إطار توجه يستهدف إعادة ترتيب دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وفتح مساحة أكبر أمام القطاع الخاص.
وبحسب البرنامج التنفيذي الذي حصلت عليه «العربية Business»، تبدأ الخطة من 30 شركة مقيدة بالفعل في البورصة المصرية، إلى جانب 60 شركة مرشحة للقيد، مع استهداف التخارج من 30 شركة بحلول 2028 واستكمال القائمة المستهدفة بحلول 2030.
لكن قراءة الخطة تكشف أن الرقم «90» لا يمثل وحده جوهر التحول؛ فالمسألة تتجاوز بيع حصص حكومية إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والاقتصاد، عبر إعادة هيكلة الشركات، وتحسين الحوكمة، وتطوير قواعد البيانات، وتعظيم قيمة الأصول، وزيادة مساحة القطاع الخاص في الأنشطة القابلة للمنافسة.
من «الطروحات» إلى إدارة محفظة الدولة
الجديد في البرنامج التنفيذي أنه لا يتعامل مع التخارج باعتباره مجرد حصيلة لعدد الشركات التي تم طرحها في البورصة أو بيع حصص منها، وإنما يضع عملية إدارة ملكية الدولة داخل إطار أوسع يشمل حصر وتصنيف الشركات، ونقل التبعية، وإعادة الهيكلة، وتطوير نظم العمل ومؤشرات الأداء، وتعظيم قيمة الأصول.
وتأتي هذه الرؤية متسقة مع التحرك الحكومي خلال 2026 لتطوير منظومة الشركات المملوكة للدولة؛ إذ أعلنت الحكومة في سبتمبر موافقتها على مقترح الخطة التنفيذية التفصيلية للإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة للفترة 2026-2030، كما أشارت إلى انتقال وحدة الشركات المملوكة للدولة من مرحلة بناء الأطر المؤسسية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
9 محاور و31 برنامجًا.. والأهم هو التنفيذ
تتضمن الخطة التنفيذية 9 محاور رئيسية و31 برنامجًا ونحو 92 إجراءً تنفيذيًا وفق البيانات التي نشرتها «العربية Business»، مع تحديد الجهة المسؤولة عن كل إجراء والجهات المشاركة، والإطار الزمني والمخرجات المستهدفة ومؤشرات الأداء وآليات المتابعة.
وتشير البيانات الحكومية المنشورة في سبتمبر إلى أن الخطة تضم 31 برنامجًا رئيسيًا تتفرع إلى نحو 100 إجراء تنفيذي، وهو ما يعكس أن الوثيقة كانت محل تطوير ومراجعة تفصيلية قبل اعتماد صيغتها التنفيذية النهائية.
وهنا تظهر أهمية الانتقال من «وثيقة أهداف» إلى «جدول تنفيذ»؛ لأن نجاح سياسة ملكية الدولة لن يقاس بعدد الشركات التي خرجت منها الحكومة فقط، وإنما بقدرة الدولة على تنفيذ عمليات التخارج وإعادة الهيكلة في التوقيتات المحددة، مع الحفاظ على قيمة الأصول وتحقيق أفضل عائد اقتصادي ممكن.
البورصة في قلب المشهد
يمثل سوق المال أحد المسارات الأساسية لتنفيذ الخطة، خصوصًا مع استهداف طرح شركات حكومية وإتاحة مساحة أوسع للملكية الخاصة.
وكانت الحكومة قد أعلنت في يوليو 2026 أن 20 شركة تم قيدها قيدًا مؤقتًا بالبورصة من إجمالي 30 شركة ضمن برنامج الطروحات، بينها 20 شركة من قطاع الأعمال العام و10 شركات من قطاع البترول.
لكن التحدي لا يتعلق بالقيد وحده؛ فالطرح الفعلي يحتاج إلى إعداد الشركات، وإعادة هيكلتها، وتحسين قوائمها المالية، وتحديد التقييمات المناسبة، واختيار التوقيت الذي يسمح بجذب المستثمرين وتحقيق قيمة عادلة للأصول.
ولهذا فإن تأخر الطروحات يظل أحد المخاطر التي أخذها البرنامج التنفيذي في الاعتبار، إلى جانب تحديات إعادة الهيكلة والشراكات مع القطاع الخاص.
صندوق مصر السيادي.. دور يتجاوز إدارة الأصول
تعطي الخطة دورًا أكبر لصندوق مصر السيادي في إدارة واستثمار عدد من الأصول والشركات، بما يتيح التعامل مع بعض الأصول من منظور استثماري وليس فقط باعتبارها كيانات مملوكة للدولة.
وكان صندوق مصر السيادي قد تحرك بالفعل خلال 2026 في ملفات الطروحات، من بينها دعوة بنوك الاستثمار لتقديم عروض لإدارة طرح حصة تصل إلى 20% من شركة مصر لتأمينات الحياة، في إطار برنامج توسيع قاعدة ملكية الشركات الحكومية وتعزيز مشاركة القطاع الخاص.
وهذا المسار يطرح سؤالًا أساسيًا: هل تستطيع الدولة تحويل الأصول الحكومية إلى فرص استثمارية أكثر جاذبية قبل التخارج منها، بدلًا من التعامل مع التخارج باعتباره هدفًا في حد ذاته؟
قاعدة بيانات وذكاء اصطناعي لإدارة الشركات
ومن أبرز الجوانب الأقل ظهورًا في الحديث عن خطة التخارج، إنشاء قاعدة بيانات متكاملة للشركات المملوكة للدولة.
وتتضمن الخطة إنشاء قاعدة بيانات موحدة للشركات والاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في حصر وتصنيف وتحليل البيانات، بما يساعد على بناء صورة أكثر دقة عن الأداء المالي والتشغيلي للشركات، ويدعم اتخاذ القرار بشأن مستقبل كل شركة.
وكانت وحدة الشركات المملوكة للدولة قد أعلنت بالفعل إطلاق وتشغيل منصة «رشيد» باعتبارها منصة وطنية موحدة لحصر وتصنيف وإدارة بيانات الشركات، مع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتحليل القوائم المالية واحتساب مؤشرات مالية وتشغيلية.
وهذه الخطوة قد تكون محورية؛ لأن التخارج الناجح يبدأ من معرفة دقيقة بما تملكه الدولة، وأداء كل أصل، وقيمته، والقطاع الذي يعمل فيه، والبديل الأفضل لإدارته.
ماذا تعني الخطة للقطاع الخاص؟
الهدف المعلن للبرنامج هو خفض البصمة الاقتصادية للدولة في الأنشطة القابلة للمنافسة مع القطاع الخاص، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، وترسيخ بيئة تنافسية أكثر عدالة.
وكان رئيس الوزراء قد أكد في يوليو أن الحكومة تستهدف إتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص لقيادة عملية التنمية، مشيرًا إلى أن مساهمة القطاع الخاص تجاوزت 56.5% من إجمالي الاستثمارات خلال السنوات الثلاث السابقة، مع استهداف الوصول إلى 65% خلال الفترة المقبلة.
وبالتالي، فإن نجاح الخطة لن يظهر فقط في عدد الشركات التي خرجت منها الدولة، وإنما في ما سيحدث بعد التخارج: هل سيدخل مستثمرون جدد؟ هل سترتفع الطاقة الإنتاجية؟ هل تتحسن كفاءة الشركات؟ وهل ينعكس ذلك على التشغيل والصادرات والاستثمار؟
التحدي الأكبر: السرعة دون التفريط في القيمة
تكشف الخطة عن معادلة صعبة أمام الحكومة: الإسراع في تنفيذ التخارج من ناحية، والحفاظ على قيمة الأصول من ناحية أخرى.
فالتعجيل بالبيع أو الطرح في توقيت غير مناسب قد يؤثر على القيمة المحققة للدولة، بينما يؤدي التأجيل المستمر إلى إبطاء تحقيق أهداف الوثيقة وتأجيل دخول استثمارات خاصة جديدة.
ولهذا تبدو آلية المتابعة عنصرًا رئيسيًا في البرنامج؛ إذ تتضمن الخطة تشكيل لجنة عليا لمتابعة تنفيذ الوثيقة برئاسة رئيس مجلس الوزراء، مع مراجعة معدلات التنفيذ كل ستة أشهر، إلى جانب رصد المخاطر والتحديات التي قد تعطل إعادة الهيكلة أو الطروحات أو الشراكات مع القطاع الخاص.
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
في النهاية، فإن خطة التخارج من 90 شركة حتى 2030 تمثل إطارًا زمنيًا واسعًا لإعادة تشكيل خريطة ملكية الدولة، لكنها في الوقت نفسه تضع الحكومة أمام اختبار تنفيذي كبير.
فالنجاح لن يكون في إعلان قائمة جديدة من الشركات، وإنما في تنفيذ عمليات التخارج وفق جداول واضحة، وإعادة هيكلة الشركات القابلة للاستمرار، وتعظيم قيمة الأصول، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتنشيط البورصة، وضمان أن يؤدي انتقال الملكية إلى زيادة الكفاءة والإنتاج والاستثمار.
وبذلك، يصبح السؤال الأهم خلال السنوات الأربع المقبلة ليس: كم شركة خرجت منها الدولة؟ وإنما: ماذا حقق الاقتصاد المصري بعد خروج الدولة من هذه الشركات؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى