مقالات

«الشاطر لا ينجح في أي مكان».. حين تتحول بيئة العمل إلى عائق أمام الكفاءات

بقلم: محمد دسوقي مدير الموارد البشرية بشركة Golden Technology ومتخصص في إدارة رأس المال البشري.

تتردد في بيئات العمل مقولات من نوع: «الشاطر ينجح في أي مكان» و**«الشاطرة تغزل برِجل حمار»**، وكأن النجاح مسؤولية فردية كاملة، لا علاقة لها ببيئة العمل أو الإدارة أو الموارد المتاحة.

ورغم ما تحمله هذه العبارات من دعوة إلى الاجتهاد والاعتماد على النفس، فإن تحويلها إلى قاعدة إدارية ثابتة قد يكون مضللًا وغير واقعي؛ فالنجاح داخل المؤسسات لا يصنعه الموظف وحده، مهما بلغت كفاءته أو خبرته أو قدرته على الابتكار.

الموظف المجتهد يستطيع أن يحقق نتائج رغم الظروف الصعبة، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يصنع منظومة ناجحة إذا كانت البيئة المحيطة به لا تساعد على النجاح.

وهنا يظهر الفارق بين الاجتهاد والنجاح.

قد يكون الموظف كفؤًا ومجتهدًا، لكنه يعمل داخل منظومة لا تكافئ الأداء، أو تعاقب المبادرة، أو تخشى التغيير، أو تفتقر إلى الموارد والأدوات اللازمة للعمل، أو تسيطر عليها المصالح الشخصية، أو تفتقد إلى قيادة قادرة على توجيه الطاقات وتحويلها إلى نتائج.

في مثل هذه البيئة، تصبح مقولة «الشاطر ينجح في أي مكان» وسيلة غير مباشرة لتحميل الموظف وحده مسؤولية النتائج، بدلًا من طرح السؤال الأكثر أهمية: هل المؤسسة نفسها توفر بيئة تسمح للموظف بالنجاح؟

المهارة وحدها لا تكفي

لا خلاف على أن المهارة والاجتهاد والقدرة على التكيف عوامل أساسية للنجاح، لكن المهارة ليست سحرًا.

فلا يمكن مطالبة شخص بتحقيق نتائج استثنائية في ظل أدوات غير كافية، أو صلاحيات محدودة، أو قيادة مرتبكة، أو نظام إداري يعوق اتخاذ القرار، أو ثقافة مؤسسية تقاوم الأفكار الجديدة.

وحتى أفضل الكفاءات تحتاج إلى بيئة تستطيع من خلالها توظيف خبراتها وتحويل أفكارها إلى نتائج قابلة للقياس.

من هنا، فإن مسؤولية المؤسسة لا تقل أهمية عن مسؤولية الموظف. فالإدارة الناجحة لا تكتفي بالبحث عن الأشخاص الأكفاء، وإنما تعمل على بناء البيئة التي تمكنهم من تقديم أفضل ما لديهم.

عندما تتحول الشعارات إلى ثقافة ضغط

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول مثل هذه العبارات إلى جزء من الثقافة الإدارية داخل المؤسسة.

فعندما يفشل الموظف في تحقيق النتائج، يكون التفسير الجاهز: «لم يكن شاطرًا بما يكفي»، دون النظر إلى طبيعة النظام الذي يعمل داخله، أو حجم الصلاحيات الممنوحة له، أو الموارد المتاحة، أو أسلوب الإدارة، أو مدى وضوح الأهداف.

وهنا يتحول الشعار من وسيلة للتحفيز إلى وسيلة لتبرير أوجه القصور داخل المؤسسة.

وقد يؤدي ذلك مع الوقت إلى تحميل الموظفين أعباء تفوق قدراتهم، وإضعاف روح المبادرة، وارتفاع معدلات الإحباط، وربما خسارة الكفاءات التي تبحث في النهاية عن بيئة تستطيع فيها تحقيق إمكاناتها.

النجاح مسؤولية مشتركة

المؤسسات القوية لا تبني نجاحها على فكرة وجود «موظف خارق» يستطيع تجاوز كل المشكلات، وإنما على منظومة واضحة تتكامل فيها الكفاءة الفردية مع الإدارة الجيدة، والموارد المناسبة، والثقافة المؤسسية الداعمة، ونظم التقييم والمكافآت العادلة.

لذلك ربما تكون العبارة الأكثر واقعية:

«الشاطر لا ينجح في أي مكان.. الشاطر يعرف أين يمكن أن ينجح، ومع مَن، وتحت أي منظومة.»

فالاختيار الصحيح لبيئة العمل جزء من الذكاء المهني، مثلما أن اختيار الأشخاص المناسبين وتوفير البيئة التي تساعدهم على النجاح جزء أساسي من كفاءة الإدارة.

وفي النهاية، ليس كل فشل دليلًا على ضعف الأشخاص؛ فأحيانًا يكون فشل الكفاءات دليلًا على فشل المكان في استثمارها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى