حين تتعدد القيادات وتضيع المسؤولية.. مَن يمسك بدفة المؤسسة؟
بقلم: محمد دسوقي مدير الموارد البشرية بشركة Golden Technology ومتخصص في إدارة رأس المال البشري.

منذ فترة وأنا أفكر في المثل المصري الشهير:
«المركب اللي لها ريسين تغرق».
لكنني بدأت أطرح على نفسي سؤالًا مختلفًا: لماذا تغرق؟
منطقيًا، من المفترض أن يجعل وجود ريسين المركب أكثر أمانًا، لا العكس؛ فذلك يعني خبرة أكبر، ومعرفة أوسع، وقدرة أفضل على التعامل مع المخاطر. وإذا غاب أحدهما، يستطيع الآخر تولّي القيادة.
إذن، أين تكمن المشكلة؟
ربما لا تتعلق المشكلة بعدد الرؤساء، بل بوجود أكثر من قائد دون تحديد دقيق وواضح لمن يقود ماذا.
وهنا يتحول المثل الشعبي إلى درس إداري شديد الأهمية.
عندما تتداخل الصلاحيات
تخيّل شركة تضم:
مديرًا عامًا يتمتع بخبرة طويلة، ومدير تشغيل قويًا، ومديرًا ماليًا كفؤًا، ومدير موارد بشرية صاحب خبرة، ومدير مشروعات متمرسًا.
الجميع مؤهلون، والجميع يريدون نجاح الشركة. لكن ماذا يحدث إذا لم تكن الصلاحيات واضحة؟
يصدر مدير التشغيل قرارًا، فيرفضه المدير المالي بسبب تكلفته، ويتدخل مدير الموارد البشرية لأن القرار يؤثر في الموظفين، بينما يطالب مدير المشروعات بتنفيذه فورًا للالتزام بموعد التسليم، ثم يصدر المدير العام توجيهًا مختلفًا.
عندها يتساءل الجميع: من صاحب القرار؟
هنا لا تكون المشكلة في ضعف المديرين، بل في وجود قوة إدارية متداخلة بلا حدود واضحة.
مثال من إدارة الموارد البشرية
لنفترض أن مدير التشغيل يريد إنهاء خدمة موظف بسبب ضعف أدائه، بينما يرى مدير الموارد البشرية أن الإجراءات اللازمة لم تكتمل.
في الوقت نفسه، يعتبر المدير المالي أن الاستغناء عن الموظف سيوفر جزءًا من التكلفة، في حين يطلب المدير العام الاحتفاظ به لأن المشروع لا يزال يحتاج إليه.
بعد ذلك، يُطلب من إدارة الموارد البشرية أن «تتصرف».
وفي النهاية، إذا وقعت مشكلة، يقال: «الموارد البشرية هي السبب!».
لكن الأسئلة الحقيقية هي:
من كان يمتلك القرار؟ ومن كانت لديه الصلاحية؟ ومن يتحمل مسؤولية النتيجة؟
هذه ليست مشكلة تخص إدارة الموارد البشرية وحدها، بل مشكلة تتعلق بالتصميم التنظيمي والحوكمة داخل الشركة.
أهمية الوصف الوظيفي
الوصف الوظيفي ليس مجرد ورقة تتضمن المهام والمسؤوليات والمؤهلات المطلوبة، بل يجب أن يجيب أيضًا عن مجموعة من الأسئلة الأساسية:
ماذا أملك من صلاحيات؟ وما القرارات التي يحق لي اتخاذها؟ وما النتائج التي أُحاسب عليها؟ وإلى مَن أرفع تقاريري؟ ومَن يملك القرار النهائي؟ ومتى يحق لي التدخل في قرار يخص إدارة أخرى؟
فلا يمكن مطالبة شخص بتحمل مسؤولية نتيجة لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها.
وهنا تظهر إحدى الأفكار الأساسية في «نظرية الدور» (Role Theory). فعندما يكون الدور الوظيفي غامضًا، أو تتعارض توقعات الأطراف بشأنه، يظهر ما يُعرف بـ«غموض الدور» (Role Ambiguity) و«صراع الدور» (Role Conflict).
وتشير أبحاث السلوك التنظيمي إلى وجود علاقة سلبية بين غموض الدور والأداء، في حين يساعد وضوح الأدوار والأهداف على تقليل مشكلات العمل وتحسين النتائج.
ماذا عن مبادئ هنري فايول؟
من المبادئ الكلاسيكية في الإدارة لدى هنري فايول (Henri Fayol) مبدأ «وحدة الأمر» (Unity of Command)، الذي يعني ألّا يجد الموظف نفسه أمام أوامر متعارضة صادرة عن أكثر من رئيس.
لكن تطبيق هذا المبدأ في الوقت الحالي لا يعني بالضرورة أن يكون لدى الشركة «ريس واحد» فقط؛ فالشركات الحديثة أصبحت أكثر تعقيدًا، وتضم مديرين للإدارات الوظيفية، ومديري مشروعات، وشركاء أعمال، ولجانًا، وهياكل تنظيمية مصفوفية.
وقد يعمل الموظف مع أكثر من جهة في الوقت نفسه؛ لذلك لم يعد السؤال الحديث: هل لدينا ريس واحد؟
بل أصبح: هل نعرف مَن يملك القرار في كل موقف؟
أهمية نموذج RACI
يمكن استخدام نموذج «RACI» في المشروعات والمنظمات المعقدة لتحديد الأدوار بوضوح:
* **R – Responsible:** مَن ينفذ المهمة؟
* **A – Accountable:** مَن يتحمل المسؤولية النهائية؟
* **C – Consulted:** مَن تجب استشارته؟
* **I – Informed:** مَن يجب إبلاغه؟
ففي قرار تعيين مدير لمشروع، قد تكون إدارة الموارد البشرية مسؤولة عن تنفيذ عملية التوظيف، بينما يتحمل مدير القطاع المسؤولية النهائية عن اختيار الشخص المناسب، وتُستشار الإدارة المالية بشأن التكلفة، وتُبلَّغ الإدارة العليا بالقرار.
هنا يمكن أن يشارك أربعة مديرين في قرار واحد دون أن تغرق المركب، لأن كل واحد منهم يعرف دوره وحدود صلاحياته.
المشكلة الحقيقية داخل الشركات
المشكلة ليست في «المركب التي لها ريسان»، بل في المركب التي لها ريسان، يعتقد كل واحد منهما أنه يمتلك الدفة بالكامل.
والأخطر أن بعض الشركات لا تعاني كثرة المديرين، وإنما تعاني تداخل الصلاحيات، وغياب المساءلة، وعدم وضوح خطوط السلطة.
وعندما يفشل القرار، يبدأ الجميع في البحث عن شماعة يعلقون عليها المسؤولية.
تقول إدارة الموارد البشرية إن المشكلة في الإدارة، بينما تقول الإدارة إن المشكلة في الموارد البشرية. وترى الإدارة المالية أن التشغيل لم يلتزم بالميزانية، في حين يرى التشغيل أن الإدارة المالية لم توفر الموارد المطلوبة.
وفي النهاية، يصبح الجميع مسؤولين؛ وبالتالي، لا يكون أحد مسؤولًا بالفعل.
خريطة القيادة
السؤال الذي يجب أن تطرحه الإدارة ليس: كم مديرًا لدينا؟
بل يجب أن تسأل:
هل يعرف كل مدير أين تبدأ مسؤوليته وأين تنتهي؟ وهل يعرف الموظف إلى مَن يعود؟ وهل تتناسب الصلاحيات الممنوحة مع المسؤوليات؟ وهل يوجد قرار واحد يمتلك أكثر من شخص حق اعتماده النهائي؟ وهل يعطي أكثر من مدير تعليمات مباشرة إلى الموظف نفسه؟ وهل يُحاسَب الأشخاص على نتائج لا يمتلكون صلاحية تحقيقها؟
إذا كانت الإجابة عن أي من هذه الأسئلة بـ«نعم»، فربما لا تحتاج الشركة إلى تغيير المديرين، وإنما تحتاج إلى إعادة رسم خريطة القيادة والصلاحيات.
فالمركب يمكن أن تحمل أكثر من ريس، بل يمكن أن تضم عشرات القادة، وتعمل بكفاءة تفوق مركبًا يقودها شخص واحد، بشرط أن يعرف كل منهم متى يمسك بالدفة، ومتى يتركها لغيره.
وفي النهاية، لا تغرق المركب لأن لها ريسين، وإنما تغرق عندما تتعدد الأيدي الممسكة بالدفة، ولا يعرف أحد مَن يملك حق تحديد الاتجاه.




