
كتبت : شمس وليد
في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، تتزايد أهمية تأمينات الحياة كإحدى الركائز الأساسية للحماية المالية للأفراد والأسر، خاصة في مواجهة مخاطر الوفاة والعجز وفقدان الدخل. إلا أن مؤشرات الأسواق العالمية تكشف عن استمرار فجوة واضحة في مستوى الحماية التأمينية بين الرجال والنساء، حيث لا تزال المرأة تحصل على تغطية أقل، سواء من حيث نسبة الانتشار أو قيمة مبالغ التأمين، رغم دورها المتنامي في النشاط الاقتصادي ومشاركتها المتزايدة في إعالة الأسرة.
وتتمثل فجوة الحماية التأمينية للمرأة في انخفاض معدلات امتلاك وثائق تأمين الحياة، وتواضع مبالغ التغطية مقارنة بالاحتياجات الفعلية، إلى جانب محدودية المنتجات التي تراعي طبيعة دخل المرأة ومسارها المهني، خاصة في ظل انتشار أنماط العمل غير المنتظم وفترات الانقطاع المرتبطة بالأمومة. ولا تقتصر آثار هذه الفجوة على المرأة وحدها، بل تمتد لتؤثر على استقرار الأسرة، وتزيد من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على المجتمعات والاقتصادات الوطنية.
ومن المنظور التأميني، يميز الخبراء بين فجوة التغطية، التي تعكس عدم امتلاك المرأة لوثيقة تأمين من الأساس، وفجوة الحماية، التي تظهر عندما تمتلك المرأة وثيقة تأمين لكنها لا توفر تغطية كافية لمواجهة الخسائر المالية المحتملة. وتشير دراسات مؤسسات إعادة التأمين العالمية إلى أن فجوة الحماية تعد التحدي الأكبر أمام صناعة تأمينات الحياة، نظراً لتأثيرها المباشر على استقرار الأسر وقدرة الاقتصادات على امتصاص الصدمات المالية.
وتبرز أهمية تأمينات الحياة للمرأة باعتبارها أداة أساسية للحماية المالية، حتى في حال عدم كونها المعيل الرئيسي، نظراً للقيمة الاقتصادية لمساهمتها في دخل الأسرة أو في العمل غير المأجور مثل إدارة المنزل ورعاية الأبناء. كما تمثل وثائق التأمين ذات الطابع الادخاري وسيلة مهمة للتخطيط للتقاعد، في ظل ارتفاع متوسط العمر المتوقع للمرأة، فضلاً عن الحاجة إلى تغطيات متخصصة للمخاطر الصحية المرتبطة بها.
ويعزو الخبراء استمرار فجوة الحماية إلى مجموعة من العوامل المرتبطة بالطلب، مثل فجوة الأجور، والعمل غير الرسمي، وتعدد الأولويات المالية، إضافة إلى اعتقادات اجتماعية تقلل من أهمية تأمين المرأة لنفسها. وعلى جانب العرض، تواجه السوق تحديات تتعلق بعدم ملاءمة المنتجات، وتعقيد إجراءات الاكتتاب، والاعتماد على قنوات توزيع تقليدية لا تصل بفاعلية إلى النساء، خاصة في المناطق الريفية أو الشرائح محدودة الدخل.
وتكشف البيانات الإحصائية عن اتساع الفجوة بين الجنسين في عدد من الأسواق العالمية. ففي الولايات المتحدة، أظهرت دراسة مقياس التأمين لعام 2025 أن 48% فقط من النساء يمتلكن وثيقة تأمين على الحياة، مقابل 54% من الرجال. وفي المملكة المتحدة، لا تمتلك نحو ثلث النساء أي تأمين على الحياة، مقارنة بـ16% من الرجال. بينما تتسع الفجوة بشكل أكبر في الأسواق الناشئة، حيث تمثل النساء نحو 28% فقط من حملة وثائق تأمين الحياة في الهند.
ولا تتوقف الفجوة عند حدود امتلاك الوثائق، بل تمتد إلى قيمة التغطية نفسها، إذ تشير الدراسات إلى أن متوسط مبالغ التأمين لدى النساء لا يتجاوز نحو 69% من متوسط التغطية لدى الرجال. كما تعكس المؤشرات فجوة في الوعي التأميني، حيث تشعر نسبة محدودة من النساء بامتلاك معرفة كافية بتأمينات الحياة، رغم ارتفاع مستويات القلق بشأن تأمين الدخل في مرحلة التقاعد.
وفي هذا السياق، يؤكد خبراء التأمين أن معالجة فجوة الحماية التأمينية للمرأة تتطلب حزمة متكاملة من الحلول، تبدأ بإعادة تصميم منتجات تأمين الحياة بمنظور أكثر استجابة لاختلاف النوع، من خلال وثائق مرنة تتناسب مع أنماط الدخل غير المنتظمة، وإمكانية تعديل مبالغ التأمين مع تغير المسؤوليات الحياتية. كما تشمل الحلول تطوير نماذج التسعير والتوزيع، وتوسيع قنوات التوزيع الرقمية، وتعزيز دور التأمين الجماعي ومتناهـي الصغر.
وشدد اتحاد شركات التأمين المصرية على أن تضييق فجوة الحماية التأمينية للمرأة يمثل أولوية استراتيجية، تتطلب تعاوناً مستمراً بين شركات التأمين والهيئة العامة للرقابة المالية والجهات المعنية، لدعم الابتكار في المنتجات، وضمان عدالة التسعير، ورفع الوعي التأميني لدى المرأة. وأكد الاتحاد أن معالجة هذه الفجوة تمثل استثماراً في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتسهم في دعم أهداف التنمية المستدامة وتمكين المرأة اقتصادياً، بما ينعكس إيجاباً على نمو واستدامة سوق التأمين المصري.



