أخبارتأمين

الذهب.. حين يفرض منطقه على صناعة التأمين

بقلم: شيماء موسى

لم يعد الذهب مجرد ملاذ آمن للمستثمرين أو وعاء تقليدي لحفظ القيمة لدى الأفراد، بل أصبح مؤشرًا اقتصاديًا كاشفًا لحالة عدم اليقين التي يمر بها العالم، وانعكاسًا مباشرًا لمخاوف التضخم وتقلبات الأسواق. هذا الصعود المتواصل للمعدن الأصفر لم يتوقف تأثيره عند حدود الاستثمار، بل امتد ليعيد تشكيل طريقة تفكير قطاعات كاملة، وفي مقدمتها قطاع التأمين.
ارتفاع أسعار الذهب يبعث برسالة واضحة: الثقة في الأدوات التقليدية تهتز، والبحث عن الأمان أصبح أولوية تتقدم على تحقيق العائد المرتفع. وهنا يجد قطاع التأمين نفسه أمام معادلة دقيقة، فالمقارنة بين الاحتفاظ بالذهب أو الاشتراك في وثيقة تأمين ادخاري باتت حاضرة بقوة في أذهان العملاء.
في فترات الاضطراب الاقتصادي، يتغير سلوك الأفراد سريعًا. البعض يتجه إلى الذهب باعتباره أصلًا ملموسًا لا يرتبط بقرارات مؤسسات أو سياسات نقدية، بينما يبحث آخرون عن أدوات أكثر استقرارًا تضمن لهم الحماية والاستمرارية. هذا التحول يفرض على شركات التأمين إعادة تعريف دورها، ليس كمجرد قناة ادخار، بل كوسيلة لإدارة المخاطر وبناء الأمان المالي طويل الأجل.
الواقع أن الذهب، رغم قوته، لا يوفر حماية اجتماعية أو تأمينًا للأسرة أو ضمانًا في مواجهة المخاطر الصحية والإنسانية. وهنا تكمن الفرصة الحقيقية أمام شركات التأمين: أن تُبرز الفارق بين الاستثمار في أصل، وبناء منظومة حماية متكاملة. فالتأمين لا ينافس الذهب، بل يكمله، حين يُقدَّم باعتباره أداة للاستقرار لا للمضاربة.
صعود الذهب أجبر شركات التأمين على مراجعة محافظها الاستثمارية، ونماذج التسعير، وطريقة التواصل مع العملاء. لم يعد كافيًا الحديث عن نسب عائد، بل أصبح من الضروري التركيز على القيمة الحقيقية للوثيقة: الاستمرارية، الحماية، والقدرة على مواجهة تقلبات المستقبل.
كما أن هذا المشهد يفتح الباب أمام تطوير منتجات أكثر مرونة، تجمع بين الادخار والحماية، وتراعي المتغيرات الاقتصادية، وتخاطب وعيًا جديدًا لدى العملاء بات أكثر إدراكًا للمخاطر وأكثر بحثًا عن الأمان.
في النهاية، الذهب سيظل لاعبًا رئيسيًا في معادلة الاقتصاد، لكن التأمين يمتلك ما هو أعمق من السعر والقيمة اللحظية. يمتلك القدرة على صناعة الطمأنينة، إذا أحسن قراءة اللحظة، وطوّر أدواته، وخاطب عقل العميل قبل جيبه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى