أخبارتأمين

التأمين القائم على السلوك… خطوة نحو شفافية وعدالة أكبر في تسعير المخاطر

كتبت : شمس وليد

يشهد قطاع التأمين تحولًا نوعيًا في نماذج تقييم وتسعير الأخطار، مع التوسع المتزايد في تطبيق مفهوم التأمين القائم على السلوك، الذي يعتمد على دمج البيانات السلوكية الفعلية للعملاء ضمن الآليات الاكتوارية التقليدية، بما يعزز دقة التسعير وعدالته.

ويعتمد التأمين، في صورته التقليدية، على نماذج اكتوارية تستند إلى البيانات التاريخية وعوامل تصنيف عامة مثل الخصائص الديموغرافية وسجل المطالبات وأنماط الاستخدام، بهدف التنبؤ باحتمالية وقوع الخطر خلال مدة وثيقة التأمين. إلا أن هذه النماذج، على مدار عقود، لم تكن قادرة على إدراج السلوك الفردي للمؤمَّن عليه – كعادات القيادة أو نمط الحياة أو مستوى الالتزام بإجراءات السلامة – بشكل مباشر، نظرًا لغياب الأدوات التقنية اللازمة لرصد هذه السلوكيات وتحليلها.

وخلال العقد الأخير، ساهم التطور التكنولوجي المتسارع، وانتشار أجهزة الاستشعار الذكية وتقنيات تتبع البيانات، في إتاحة معلومات دقيقة وفورية عن سلوك العملاء، الأمر الذي أحدث نقلة نوعية في قدرة شركات التأمين على فهم المخاطر وإدارتها بصورة استباقية، بدلًا من الاعتماد فقط على تحليل الحوادث بعد وقوعها.

ويقوم نموذج التأمين القائم على السلوك على ربط القسط التأميني بالسلوك الفعلي للعميل، من خلال متابعة مستمرة لمستوى المخاطر وتشجيع السلوكيات الإيجابية، سواء عبر تخفيض الأقساط أو تقديم حوافز، مع اتخاذ إجراءات تصحيحية في حال تكرار السلوكيات عالية الخطورة. وقد بدأ تطبيق هذا النموذج بالفعل في عدد من الفروع التأمينية، أبرزها تأمين السيارات القائم على أسلوب القيادة، وتأمينات الحياة والصحة المرتبطة بنمط المعيشة، إلى جانب تأمين المنازل المعتمد على الأجهزة الذكية.

ويُنظر إلى هذا النموذج باعتباره أكثر عدالة، إذ يبتعد عن التصنيفات العامة ويفرض على كل عميل تكلفة تعكس مستوى مخاطره الحقيقي، كما يسهم في تقليص مشكلات عدم تماثل المعلومات والحد من السلوكيات التي تزيد من احتمالات الخسائر.

ورغم ما يتيحه التأمين القائم على السلوك من فرص، إلا أنه يواجه عددًا من التحديات، من بينها ارتفاع تكلفة جمع وتحليل البيانات، واحتمالية عدم استقرار الأقساط نتيجة تغير السلوك، فضلًا عن التحديات الأخلاقية المرتبطة بحماية الخصوصية وشفافية استخدام البيانات، وضرورة ضمان عدم التمييز غير المبرر بين العملاء.

وفي هذا السياق، أكد اتحاد شركات التأمين المصرية أن التأمين القائم على السلوك يمثل أحد النماذج الحديثة الواعدة التي يمكن أن تسهم في تطوير صناعة التأمين وتحسين كفاءة تسعير الأخطار، بما يعكس المستوى الفعلي للمخاطر ويحفّز السلوكيات الإيجابية لدى الأفراد والمؤسسات.

وأشار الاتحاد إلى أن تبني هذا النموذج يجب أن يتم في إطار واضح من الحوكمة وحماية البيانات الشخصية، وبما يضمن العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص، ويحافظ على الدور الاجتماعي للتأمين كأداة للتكافل وإدارة المخاطر، وليس فقط كآلية تسعير دقيقة.

وشدد الاتحاد على أهمية التعاون بين شركات التأمين والجهات التنظيمية ومقدمي التكنولوجيا، إلى جانب تطوير الأطر التشريعية وبناء القدرات الفنية، لضمان تطبيق نماذج التأمين القائم على السلوك بصورة تدريجية ومتوازنة تتناسب مع طبيعة السوق المصري وتحدياته.

ويُتوقع أن يشهد هذا النموذج مزيدًا من التطور خلال السنوات المقبلة، مع الجمع بين الأساليب الاكتوارية التقليدية والبيانات السلوكية الفعلية، بما يعزز استقرار المحافظ التأمينية ويرفع مستوى الوعي التأميني لدى العملاء، مع الحفاظ على مبادئ العدالة وحماية الحقوق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى