
كتبت : شمس وليد
في لقاء خاص وحصري ببرنامج “بيزنس” الذي تقدمه الإعلامية شيماء موسى على قناة TEN، قدّم المهندس أيمن هيبة، رئيس جمعية تنمية الطاقة المستدامة ورئيس شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة، رؤية شاملة حول مستقبل الطاقة في مصر والعالم، مؤكدًا أن الطاقة لم تعد مجرد خدمة أساسية، بل أصبحت قضية تتعلق بسيادة الدول وأمنها القومي واقتصادها في الوقت نفسه.
وأوضح هيبة أن العالم يشهد في هذه المرحلة تحولات جيوسياسية واقتصادية كبيرة، جعلت الطاقة في قلب الصراعات الدولية، خاصة مع التنافس بين القوى الكبرى على مصادرها، وما ترتب على ذلك من أزمات عالمية أثرت على سلاسل الإمداد وأسعار الوقود. وأشار إلى أن الصراع على الطاقة لم يعد اقتصاديًا فقط، بل أصبح جزءًا من إعادة تشكيل النظام العالمي الجديد.
وأكد أن الفرق بين “أمن الطاقة” و“سيادة الطاقة” أصبح واضحًا، فبينما يعتمد أمن الطاقة على تنويع المصادر وضمان توافرها في أوقات الأزمات، فإن سيادة الطاقة تعني امتلاك الدولة لمصادرها الذاتية بشكل كامل دون تأثر بالعوامل الخارجية، وهو ما يجعلها أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.
وأشار إلى أن مصر بدأت بالفعل منذ عام 2014 في وضع رؤية استراتيجية واضحة للتحول نحو الطاقة المتجددة، من خلال تنفيذ مشروعات كبرى في مجالات الطاقة الشمسية والرياح، ضمن خطة تهدف إلى رفع نسبة الطاقة النظيفة في مزيج الطاقة الوطني. ولفت إلى أن الدولة نجحت خلال السنوات الماضية في تنفيذ محطات مركزية عملاقة مثل أبيدوس وأوبليسك، والتي ساهمت في إضافة آلاف الميجاوات إلى الشبكة القومية.
وأوضح أن أحد أهم التحولات التي يجب التركيز عليها خلال المرحلة المقبلة هو الاتجاه نحو “الطاقة اللامركزية”، والتي تقوم على إنتاج الكهرباء بالقرب من أماكن الاستهلاك بدلًا من الاعتماد على محطات مركزية بعيدة. وبيّن أن هذا النموذج يساهم في تقليل الفاقد في النقل والتوزيع، ويخفف الضغط على الشبكة القومية، ويقلل من الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد.
وتحدث عن مبادرة “شمس مصر” التي أطلقتها جمعية تنمية الطاقة المستدامة، مؤكدًا أنها تستهدف دعم التوسع في استخدام الطاقة الشمسية من خلال ثلاث ركائز رئيسية تشمل تطوير التشريعات المنظمة للقطاع، وتقديم حوافز استثمارية وضريبية للمستخدمين، إلى جانب توفير آليات تمويل ميسرة تساعد الأفراد والمصانع على الدخول في هذا المجال.
وأوضح أن ارتفاع تكلفة التمويل يمثل أحد أبرز التحديات أمام التوسع في الطاقة المتجددة، خاصة مع معدلات الفائدة الحالية، مما يستدعي وجود تدخلات داعمة من الدولة والقطاع المصرفي وصناديق التمويل الأخضر لتسهيل الاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
وأشار إلى أن نجاح التحول الطاقي يتطلب أيضًا تحديثًا مستمرًا للتشريعات، بما يواكب التطور السريع في تكنولوجيا الطاقة الشمسية، مع ضرورة تبسيط الإجراءات الخاصة بالتراخيص وتخصيص الأراضي، والسماح بنقل الطاقة بين المواقع المختلفة، وهو ما ما زال يحتاج إلى آليات تنفيذ أكثر وضوحًا على أرض الواقع.
وتطرق إلى قرار إلزام بعض المصانع الجديدة باستخدام نسبة من الطاقة المتجددة، موضحًا أن تطبيق هذا التوجه يحتاج إلى تنظيم دقيق يضمن توفير المساحات المناسبة داخل أو خارج مواقع الإنتاج، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالبنية التحتية للمصانع. كما أكد أهمية وجود دليل تنفيذي شامل يربط بين التشريع والتمويل والحوافز لضمان نجاح التطبيق.
وفي سياق آخر، أشار إلى أن قطاع الزراعة يمثل فرصة كبيرة للتحول نحو الطاقة الشمسية، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على مضخات الري التي تعمل بالديزل، موضحًا أن التحول إلى الطاقة النظيفة في هذا القطاع يمكن أن يخفف العبء عن الدولة ويقلل استهلاك الوقود بشكل كبير، مع إمكانية تطبيق نماذج مجتمعية تشاركية لإنشاء محطات تخدم مجموعات من المزارعين.
وأكد أن التحول إلى الطاقة المتجددة لا ينعكس فقط على خفض التكاليف، بل يمتد أيضًا إلى دعم القدرة التصديرية لمصر، خاصة في ظل المتطلبات الدولية الجديدة التي تفرض خفض الانبعاثات الكربونية على المنتجات المصدرة، خصوصًا في قطاعات مثل الحديد والأسمنت والأسمدة، وهو ما يجعل الطاقة النظيفة عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على تنافسية المنتجات المصرية عالميًا.
كما أوضح أن القطاع السكني يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في دعم التحول الطاقي، خاصة أن تكلفة أنظمة الطاقة الشمسية لا تمثل سوى نسبة صغيرة من قيمة العقار، في حين يمكن أن ترفع من قيمته وتحوّله إلى عقار أخضر مستدام، مشيرًا إلى أهمية تفعيل القرارات السابقة الخاصة بإلزام بعض المباني باستخدام الطاقة الشمسية مع تحسين آليات التنفيذ والمتابعة.
واختتم المهندس أيمن هيبة حديثه بتأكيد ضرورة اتخاذ عدة خطوات عاجلة لتطوير قطاع الطاقة في مصر، من بينها تحديث التشريعات المنظمة للطاقة المتجددة، وإنشاء صندوق وطني للتحول الطاقي بتمويل مستدام، إلى جانب تقديم حوافز ضريبية وجمركية لتقليل تكلفة الاستثمار في مشروعات الطاقة الشمسية.
وأكد أن هذه الخطوات من شأنها أن تحقق وفورات كبيرة في استهلاك الوقود والغاز، وتعزز من قدرة الدولة على تحقيق سيادة طاقية حقيقية تدعم الاقتصاد الوطني وتحسن جودة الحياة في المستقبل.



