
كتبت : شمس وليد
في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، تجاوزت آثار الصراع الحدود السياسية والعسكرية، لتصل إلى الاقتصاد العالمي وخصوصاً صناعة التأمين وإعادة التأمين، التي تعتمد بشكل رئيسي على تقييم المخاطر واستقرار البيئة الجيوسياسية. ومع استمرار حالة عدم اليقين، تواجه شركات التأمين تحديات متزايدة في تسعير التغطيات وإدارة التعويضات، بما يشمل التعامل مع تقلبات الأسواق واضطراب سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
أدى النزاع إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل ملحوظ، مع مخاوف من استمرار الصراع وإغلاق محتمل لمضيق هرمز أو تعرض البنية التحتية للطاقة لأضرار مباشرة. هذا الوضع يفاقم التضخم ويزيد الضغط على عوائد السندات ويعقد قرارات السياسة النقدية، بما يخلق حالة من الركود التضخمي المحتمل، حيث يظل التضخم مرتفعاً رغم تباطؤ النمو الاقتصادي. ويعكس ذلك ضرورة قيام شركات التأمين وإعادة التأمين بإعادة تقييم محافظها الاستثمارية واعتماد سياسات اكتتاب أكثر انضباطاً لضمان استقرار الربحية في ظل هذه البيئة المتقلبة.
تتصدر فروع التأمين الأكثر تأثراً بالنزاع التأمين البحري، خاصة بعد تعرض 17 سفينة لهجمات في مضيق هرمز منذ 28 فبراير 2026، كان آخرها هجوم على 3 سفن في 11 مارس. يلي التأمين البحري تأمين الطيران ثم التأمين ضد الأخطار السياسية، إلى جانب تأمين الممتلكات والأمن السيبراني وقطاع الطاقة والائتمان التجاري. ومع تزايد احتمال وقوع هجمات إرهابية انتقامية داخل الولايات المتحدة، يزداد تركيز المخاطر على المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية، ما يرفع من احتمالات المطالبات المتعلقة بتعويضات العمال والممتلكات التجارية.
لمواجهة هذه المخاطر، أعلنت إدارة ترامب يوم 6 مارس عن برنامج إعادة تأمين بقيمة 20 مليار دولار، يشمل ناقلات النفط وغيرها من السفن، لضمان استمرار حركة الملاحة في مضيق هرمز. ويأتي هذا البرنامج بالتعاون بين مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية ووزارة الخزانة والقيادة المركزية الأمريكية، لضمان تدفق النفط والغاز الطبيعي المسال ووقود الطائرات والأسمدة إلى الأسواق العالمية، بعد ارتفاع أسعار النفط الأمريكي بنسبة 35% خلال الأسبوع الماضي بسبب توقف حركة ناقلات النفط في الخليج العربي.
مع التصعيد العسكري، لم تعد ساحات القتال مقتصرة على الحدود والمياه الإقليمية، بل امتدت إلى الفضاء الإلكتروني. فقد استهدفت هجمات إلكترونية في 12 مارس شركة التكنولوجيا الطبية الأمريكية سترايكر، باستخدام أدوات تعطيل الأجهزة ومسح البيانات، ويرجح تورط مجموعة القرصنة Handala المرتبطة بإيران. ويؤكد الخبراء أن الأمن السيبراني أصبح جزءاً أساسياً من الأمن القومي واستمرارية الأعمال، مما دفع الشركات إلى مراجعة وثائق التأمين الإلكتروني، وتعزيز بنيتها التحتية، وإجراء اختبارات محاكاة للهجمات الإلكترونية، وتأمين سلاسل الإمداد الرقمية لضمان استمرارية أعمالها في مواجهة أي تهديدات مستقبلية.
يشير الاتحاد الدولي لشركات التأمين إلى أن الصراعات العالمية منذ 2020 زادت من تعقيد المخاطر، بما يشمل تضرر الممتلكات، وتعطل الأعمال، وارتفاع المخاطر التشغيلية، واضطرابات سلاسل التوريد، مع تأثيرات محتملة على التضخم ونمو الأسواق. إلا أن الجانب الإيجابي يكمن في أن شركات التأمين اكتسبت خبرة واسعة في التكيف مع أزمات سابقة مثل أحداث 11 سبتمبر، وإعصار كاترينا، والأزمات المالية العالمية، عبر الحفاظ على سيولة قوية ورأس مال متين، وتطوير منتجات واستراتيجيات تسعير مرنة.
ويضيف الاتحاد أن الشركات يمكنها مواجهة التحديات الحالية من خلال:
استخدام تقنيات التسعير الديناميكي والتحليلات المتقدمة لتقييم المخاطر بدقة.
دمج العوامل الجيوسياسية والاقتصادية لتحديد نقاط الضعف وإعادة تقييم مستوى التعرض للأخطار.
العمل باستراتيجيات استثمارية مرنة لإدارة الأصول والسيولة وتنويع المحافظ الاستثمارية.
الحفاظ على رأس مال احتياطي كافٍ لتلبية التزامات العملاء والمستثمرين، حتى في ظل ظروف الضغط الشديد.
بناء قدرات اكتتاب متخصصة في تأمين الأخطار الإلكترونية لتلبية الطلب المتزايد وإدارة المخاطر المرتبطة بها بفعالية.
ويختتم الاتحاد بأن شركات التأمين قادرة على التكيف والازدهار في عالم يتسم بعدم اليقين، طالما تم تبني استراتيجيات مبتكرة تعكس الواقع المتغير للأسواق والمخاطر الجيوسياسية. ويظل القطاع المالي، بما في ذلك التأمين وإعادة التأمين، في قلب المشهد الاقتصادي العالمي، محاطاً بالتحديات والفرص التي تتطلب إدارة دقيقة ومرنة لرأس المال والمخاطر.



