
كتبت : شمس وليد
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التأمين عالميًا، يبرز مفهوم الاكتتاب المراعي للنوع الاجتماعي كأحد الاتجاهات الحديثة الهادفة إلى تحقيق شمول مالي أكثر عدالة واستدامة. فلم يعد الاكتتاب التأميني يقتصر على البيانات الطبية والديموغرافية التقليدية، بل أصبح ينظر إلى النوع الاجتماعي باعتباره عاملًا اجتماعيًا واقتصاديًا يؤثر في طبيعة المخاطر وإمكانية الوصول إلى الحماية التأمينية.
ويقوم الاكتتاب المراعي للنوع الاجتماعي على مبدأ الإنصاف لا التمييز، حيث يهدف إلى إزالة التحيزات الضمنية في سياسات الاكتتاب وتصميم منتجات تأمينية تلائم الواقع الاقتصادي والاجتماعي للرجال والنساء على حد سواء، مع التركيز على تمكين النساء اللواتي يعانين في كثير من الأحيان من فجوات في الدخل والوعي المالي والوصول للخدمات التأمينية، خاصة في الاقتصادات النامية.
ويؤكد خبراء التأمين أن هذا النهج يتجاوز مفهوم “الحياد” في الاكتتاب، إذ لا يكتفي بإلغاء النوع الاجتماعي كعامل تسعير، بل يسعى إلى مراعاة الاختلافات الفعلية في أنماط المخاطر والاحتياجات. فالنساء يواجهن تحديات خاصة تتعلق بالصحة الإنجابية، والعمل غير الرسمي، وتحمل أعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر، في حين تُظهر البيانات أن الرجال أكثر انخراطًا في السلوكيات عالية المخاطر في بعض أنواع التأمين مثل تأمين السيارات.
اقتصاديًا، يمثل تبني الاكتتاب المراعي للنوع الاجتماعي فرصة سوقية واعدة لشركات التأمين، حيث تشير التقديرات إلى وجود فجوة كبيرة في الحماية التأمينية للنساء حول العالم. ويسهم تصميم منتجات مرنة واستخدام بيانات بديلة – مثل سجلات المعاملات عبر الهاتف المحمول أو القروض الصغيرة في توسيع قاعدة العملاء وخفض تكاليف التشغيل، بما يعزز جدوى التأمين الشامل.
أما على الصعيد الاجتماعي، فيسهم هذا النهج في تعزيز المرونة المالية للمرأة والأسرة، من خلال تمكين النساء من التعافي السريع من الصدمات الاقتصادية والصحية، وتشجيعهن على الاستثمار في التعليم والمشروعات الصغيرة، بما يدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وعلى رأسها المساواة بين الجنسين والحد من أوجه عدم المساواة.
وتبرز تجارب دولية ناجحة في هذا المجال، من بينها تجربة الهند عبر جمعية VimoSEWA، التي وفرت حزم تأمينية متكاملة للنساء العاملات في القطاع غير الرسمي من خلال تبسيط إجراءات الاكتتاب وتغطية المخاطر المهنية غير التقليدية. كما اعتمدت الفلبين على نماذج الاكتتاب الجماعي والتعاونيات النسائية لتقديم تأمينات صغيرة مرنة، خاصة في مواجهة المخاطر المناخية والكوارث الطبيعية.
وفي هذا السياق، يؤكد اتحاد شركات التأمين المصرية أن الاكتتاب المراعي للفوارق بين الجنسين يُعد خطوة أساسية نحو بناء سوق تأمين أكثر شمولًا وعدالة واستدامة. ويرى الاتحاد أن دمج اعتبارات النوع الاجتماعي في سياسات الاكتتاب لا يعزز العدالة الاجتماعية فحسب، بل يفتح آفاقًا جديدة للنمو والابتكار، ويسهم في تعزيز استقرار الأسر والمجتمعات والاقتصاد ككل.
ورغم التحديات المرتبطة بنقص البيانات المصنفة حسب النوع الاجتماعي أو مقاومة التغيير داخل بعض المؤسسات، فإن النجاحات الدولية تؤكد أن الاكتتاب المراعي للنوع الاجتماعي ليس خيارًا نظريًا، بل مسارًا عمليًا لمستقبل أكثر عدالة وفعالية لصناعة التأمين، يتماشى مع التوجهات العالمية نحو الشمول المالي والتنمية المستدامة.




