
كتبت / شيماء موسى
دعا اتحاد شركات التأمين المصرية إلى التوسع في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وتحليل البيانات في مشروعات الاستزراع المائي، باعتبارها أدوات مهمة للإنذار المبكر بالأخطار وتقليل خسائر المخزون السمكي وتحسين كفاءة التشغيل وإدارة المطالبات التأمينية.
وأكد الاتحاد، في دراسة بعنوان «الاستزراع المائي الذكي وأثر البيانات في الوقاية من الخسائر»، أن التحول التكنولوجي في المزارع السمكية لم يعد يقتصر على تحسين الإنتاجية، وإنما يمتد إلى حماية الاستثمارات والأصول والمعدات والمخزون الحي، وتعزيز قدرة المشروعات على مواجهة الأخطار البيئية والتشغيلية والبيولوجية.
وأشار إلى أن نجاح الاستزراع المائي الذكي لا يقاس بعدد أجهزة المراقبة أو حجم البيانات التي تجمعها المزرعة، وإنما بمدى قدرة هذه البيانات على دعم اتخاذ قرارات تشغيلية مبكرة، تمنع وقوع الخسائر أو تحد من اتساع نطاقها.
142 مليون طن إنتاج الاستزراع المائي عالميًا
استعرضت الدراسة أحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو»، المنشورة خلال عام 2026، والتي أظهرت ارتفاع إنتاج الاستزراع المائي عالميًا إلى نحو 142 مليون طن في عام 2024، منها 103 ملايين طن من الحيوانات المائية و39 مليون طن من الطحالب.
وأوضحت أن النمو المتواصل في الاستزراع المائي صاحبه ارتفاع في قيمة المخزون الحي والمعدات والأصول المعرضة للخطر، خاصة مع زيادة كثافات التربية والاعتماد على الأنظمة التكنولوجية الحديثة.
وأشارت إلى أن خسائر الاستزراع المائي تختلف عن الخسائر التقليدية في الأنشطة الصناعية والتجارية، نظرًا لحساسية المخزون الحي وسرعة تأثره بالتغيرات البيئية وتعطل المعدات.
أعطال محدودة قد تتسبب في خسائر كبيرة
وأكدت الدراسة أن تعطل مضخة مياه أو جهاز تهوية محدود القيمة قد يؤدي إلى خسائر كبيرة في المخزون السمكي، إذا تسبب في انخفاض الأكسجين المذاب أو توقف حركة المياه أو تأخر اكتشاف التدهور البيئي.
وأوضحت أن ارتفاع درجة الحرارة، وتغير مستويات الحموضة والملوحة، وتراكم الأمونيا والمواد العضوية، جميعها عوامل قد تؤثر في صحة الأسماك وتؤدي إلى الإجهاد أو انتشار الأمراض أو النفوق.
ولفتت إلى أن جسامة الخسارة لا ترتبط بالضرورة بقيمة المعدة المتعطلة، وإنما بأهميتها لاستمرار البيئة المناسبة لحياة المخزون، والوقت المتاح للتدخل قبل تطور الضرر.
وشددت على أهمية تقييم المعدات وفقًا لمدى تأثير تعطلها في استمرار الإنتاج، ومدى توافر بدائل تشغيلية ومصادر كهرباء احتياطية قادرة على العمل بكفاءة.
الذكاء الاصطناعي يدعم التنبؤ بالأخطار قبل وقوعها
وأوضحت الدراسة أن تقنيات الاستزراع المائي الذكي تعتمد على دمج الحساسات والكاميرات وأجهزة الاتصال وأنظمة الإنذار والتحليل الآلي، لمتابعة مؤشرات جودة المياه وسلوك الأسماك ونموها ومعدلات النفوق وأداء المعدات.
وتساعد هذه التقنيات على مقارنة القراءات اللحظية بالبيانات التاريخية، ورصد الأنماط غير المعتادة والتنبؤ بحدوث تغيرات قد تهدد سلامة المخزون.
وأشارت إلى أن التحليل التنبؤي يختلف عن أنظمة الإنذار التقليدية؛ إذ لا ينتظر بالضرورة تجاوز المؤشر مستوى الخطر، بل يتابع سرعة تغيره والعوامل المرتبطة به لتقدير احتمالات وصوله إلى مستويات حرجة.
واستشهدت الدراسة بأحد النماذج البحثية للتنبؤ بتغيرات الأكسجين المذاب، والذي سجل دقة بلغت 92.28% ضمن بيانات الدراسة وظروفها، مع التأكيد أن هذه النتيجة لا تمثل معيارًا عامًا يمكن تطبيقه على جميع المزارع والأنواع المستزرعة.
بيانات التشغيل تدعم إدارة المطالبات التأمينية
وفيما يتعلق بالقطاع التأميني، أكدت الدراسة أن السجلات الرقمية يمكن أن توفر أدلة فنية تساعد على تحديد توقيت وقوع الحادث وأسبابه وتسلسل تطوره وحجم المخزون المتضرر.
وأوضحت أن بيانات جودة المياه وحالة المعدات وسجلات الإنذارات والتغذية والنفوق تساعد على إعادة بناء الأحداث التي سبقت وقوع الخسارة، وتحديد ما إذا كانت ناجمة عن عطل مفاجئ أو تدهور تدريجي في ظروف التشغيل.
كما تساعد السجلات في توثيق الإجراءات التي اتخذها المشغل للحد من الضرر، ومدى الاستجابة للتنبيهات، بما يدعم تقييم الحوادث وفحص المطالبات التأمينية.
وشددت الدراسة على أن البيانات الرقمية لا تمثل دليلًا منفردًا أو نهائيًا لإثبات استحقاق التعويض، إذ ينبغي الاستناد كذلك إلى المعاينات الفنية والفحوص البيطرية والمستندات المالية وشروط وثيقة التأمين.
التأمين المستدام يتجاوز التعويض إلى الوقاية
وأكد اتحاد شركات التأمين أن دور التأمين المستدام لا ينبغي أن يقتصر على التعويض المالي بعد وقوع الخسائر، وإنما يمتد إلى دعم الوقاية وتحسين إدارة الأخطار وتعزيز قدرة المشروعات على استعادة نشاطها.
وأشارت الدراسة إلى إمكانية الاستفادة من بيانات الحوادث والخسائر السابقة في تحديد نقاط الضعف التشغيلية، ووضع إجراءات للحد من تكرارها، وتطوير التغطيات التأمينية بما يتناسب مع طبيعة المخاطر الفعلية.
كما أوضحت أن استخدام البيانات في تقييم المخزون الحي ومتابعة حالته يساعد على تحسين تقدير الخسائر، وتعزيز دقة المعلومات المتاحة لشركات التأمين عند دراسة الأخطار والمطالبات.
ولفتت إلى أهمية التعاون بين شركات التأمين والخبراء البيطريين والمتخصصين في الاستزراع المائي ومقدمي التكنولوجيا، لتطوير حلول تأخذ في الاعتبار الترابط بين المخزون والمعدات والبيئة واستمرارية التشغيل.
دعوة لإنشاء قواعد بيانات محلية للحوادث والخسائر
وفي توصياته، دعا اتحاد شركات التأمين إلى تطوير قواعد بيانات محلية متخصصة لحوادث وخسائر الاستزراع المائي، تتضمن الظروف السابقة للحادث، وتسلسل تطوره، وحجم المخزون المتأثر، ومدة توقف النشاط، والإجراءات المتخذة للحد من الضرر.
وأوضح أن تحليل هذه البيانات من شأنه المساعدة في تحديد أنماط الخسائر المتكررة وتطوير إجراءات الوقاية وتحسين تقييم الأخطار التأمينية.
كما أوصى بوضع إطار موحد للحد الأدنى من البيانات التشغيلية التي ينبغي للمزارع تسجيلها والاحتفاظ بها، مع مراعاة اختلاف أنواع الكائنات المستزرعة ونظم الإنتاج وأحجام المشروعات.
وشدد على ضرورة تحديد متطلبات جودة البيانات وآليات حمايتها ومراجعتها، بما يعزز موثوقيتها وقابليتها للاستخدام في التحقيق في الحوادث وتسوية المطالبات.
تطوير منظومة للإنذار المبكر والاستجابة للطوارئ
وأكد الاتحاد أهمية اختبار أنظمة الإنذار في ظروف تشغيل فعلية، وقياس المدة بين اكتشاف الانحراف وتنفيذ الإجراء التصحيحي، فضلًا عن مراجعة الحالات التي لم تتمكن الأنظمة من اكتشافها.
وأشار إلى ضرورة الحفاظ على التوازن بين الأتمتة والخبرة البشرية، بحيث تدعم النماذج التحليلية اتخاذ القرار دون أن تحل محل الرقابة الفنية أو الفحص البيطري.
كما شدد على أهمية تحديد الإجراءات التي يمكن تنفيذها آليًا، وتلك التي تتطلب تدخلًا بشريًا، مع توفير وسائل تشغيل بديلة عند تعطل الاتصالات أو أنظمة التحكم.
حلول تأمينية تناسب صغار المزارعين
ودعا اتحاد شركات التأمين إلى مراعاة احتياجات صغار منتجي الاستزراع المائي عند تصميم حلول التأمين والتحول الرقمي، حتى لا تقتصر الاستفادة من التكنولوجيا على المشروعات الكبرى القادرة على تحمل تكاليف الأنظمة المتقدمة.
وأوضح أن تطوير نظم مراقبة تدريجية ومنخفضة التكلفة، تركز على المؤشرات الأكثر تأثيرًا في بقاء المخزون، يمكن أن يساعد المشروعات الصغيرة على تحسين إدارة أخطارها.
كما أكد أهمية توفير التدريب والدعم الفني، إلى جانب تطوير حلول تأمينية تناسب القدرات المالية والتشغيلية لهذه المشروعات.
البيانات أساس الوقاية واستمرارية الإنتاج
واختتم الاتحاد دراسته بالتأكيد على أن البيانات تمثل حلقة وصل بين الوقاية من الأخطار وإدارة المطالبات والتعافي من الخسائر.
وأوضح أن فعالية الاستزراع المائي الذكي تعتمد على جودة القياسات وسرعة الاستجابة وجاهزية المعدات الاحتياطية، وليس على استخدام التكنولوجيا باعتبارها بديلًا عن الإدارة السليمة.
وشدد على أن التكامل بين الصيانة والأمن الحيوي والرقابة البيطرية والتحليل التنبؤي والحماية التأمينية المناسبة يمثل أساسًا لبناء مشروعات استزراع مائي أكثر قدرة على الاستمرار ومواجهة المخاطر.
وأكد أن تطوير استخدام البيانات في إدارة الأخطار والتأمين يمكن أن يسهم في حماية الاستثمارات وتقليل الخسائر وتحسين استدامة الإنتاج الغذائي المائي.




